الحزم خير من الدلال

بقلم: أ/ عبدالله حزام البهلولي

(1)

يصف العالم التربوي الألماني ظاهرة التدليل بأنها كارثة اجتماعية أفرزتها سيادة النمط الاستهلاكي على كل مظاهر الحياة العصرية، وتؤكد عالمة نفس الاطفال الدكتورة ” ديانا ايزرافست” ذلك وتقول : إن الاطفال اليوم صاروا يحصلون بشكل سهل على كل ما يريدون، وليس على كل ما يحتاجون.

وبالفعل فقد كثرت مظاهر التدليل للأطفال والشباب وجاءت النتيجة المتوقعة متمثلة في المزيد من الإنحرافات الأخلاقية والممارسات السلبية المؤدية حتماً إلى إيذاء النفس والغير… والمثير للشفقة والحزن أن الوالدين يكونون أول الضحايا الذين يكتوون بنار هذه الانحرافات التي زرعوها بأيديهم في أبنائهم وبناتهم منذ الصغر .. وعليه فإن الأطباء النفسيين يؤكدون أن بعض الحزم الذي قد يصل الى الإزعاج أفضل بكثير من الإفراط في الدلال الذي يؤدي في النهاية إلى إفساد المراهقين والمراهقات وانحرافهم وعدم تحملهم للمسئولية .

يبدأ الطفل المدلل انحرافه بالإلحاح الشديد.. وعندما يرغب في شيء ما، فإما أن تُلبى رغبته أو يستخدم وسائل ضغطه على الوالدين كالصراخ والركل والضرب – وربما السب والشتم ..

والذي يدفع كثير من الآباء والأمهات لتدليل ولدهم والسكوت على مخالفاته هو حرصهم وخوفهم عليه من التعرض لأي خطر أو ربما لأنه طفلهما الوحيد أو أنهما رزقا به بعد فترة طويلة من تأخر الإنجاب، أو أنه آخر العنقود – كما يقال .

وقد يكون الدافع وراء تدليل الأولاد شعور أحد الوالدين أو كليهما بطول فترة غيابهما عن أطفالهم، فيقومان لا شعورياً بتلبية رغباتهم كنوع من التعويض، وفي أحيان كثيرة يكون سفر أحد الوالدين للعمل بالخارج مبرراً كافياً لإغداق الهدايا على طفله وتحقيق مطالبه، لكن الوالدين بحبهما الفطري لأولادهم لا يدركان أنهما يدفعان بهم إلى الهاوية من خلال تدليلهم والتساهل في معالجة أخطائهم.. وتجد الأم نفسها – على وجه الخصوص – ضعيفة أمام عاطفتها التي أصبح أبناؤها مدركين لها …فيسعون بكل ما أوتوا عن قوة للمساومة وابتزازها أمام هذه الحالة من الضعف الإنساني.

إن تساهل الوالدين مع طفلهما واستسلامهما لضغوطه وعدم تمييزهما لاحتياجاته الضرورية ورغباته المزاجية؛ يفسد الطفل ويغرس فيه حب الذات، وينمي لديه حب الإمتلاك والأنانية، والسيطرة على كل من حوله. والتدليل للطفل يسلب منه إحساسه بالمسئولية وحبه للمشاركة، بل يفقده قوة الإرادة والإعتماد على النفس. وقد تكون العاطفة الأسرية الفياضة حاجزاً أمام الطفل للارتباط بأقرانه حيث إنه يشعر بتشبع شديد من عاطفة الأسرة فلا يميل إلى الآخرين وذلك ينمِّي داخله الوحدة والانطواء، وفوق ذلك فإنك تجد الطفل المدلل معدوم الشخصية عاجزاً عن مواجهة متاعب الحياة الكثيرة والمتنوعة .

ثم إن الدلال الزائد مفسد لمستقبل الطفل حيث تنمو معه هذه المشكلة، وتزداد سوءاً مع مراحل عمره المختلفة، ففي المدرسة مثلاً يرفض العتاب أوالنقد الموجهان إليه من معلميه، كما يرفض أن يتفوق زملاؤه عليه ، وهو لا يحب مشاركة أقرانه له في اللعب، مما يجعل منه طفلاً غير محبوب في مجتمعه المدرسي بسبب أنانيته وتصرفاته الخاطئة.. فيتجه إلى الإعتداء أو الإنسحاب والإنطواء لأنه لم يجد الحماية الزائدة والتدليل المفرط اللذان كان يجدهما في مجتمعه الأسري، وقد يتجه الطفل المدلل إلى رفقة السوء التي تتفق مع ميوله واهتماماته ليندمج معها ويكون ذلك بداية الطريق نحوالانحراف والإنحلال الأخلاقي والسلوكي .

ومع هذه المشكلة السلوكية نجد أنه من الضروري علينا نحن المربين تجنب التدليل السلبي للأطفال، والسعي لاكتساب مهارات التربية التي تمكننا من بناء شخصيات أبنائنا بشكل متوازن، وتهدينا إلى التعامل السليم معهم.. بعيداً عن الدلال المفرط، والحزم المبالغ فيه.. وحول هذا الموضوع سيكون حديثنا في العدد القادم بمشيئة الله سبحانه وتعالى…

(2)

في الجزء السابق من المقال تحدثنا عن خطورة التدليل ، وأشرنا إلى أن التدليل المفرط لا يقل خطورة عن القسوة الزائدة، وإن محاولة إرضاء الطفل وتلبية طلباته على الفور قد يسعد الطفل ويسعد الأم في الوقت نفسه، ولكن هذه السعادة لن تدوم حينما تتعارض مع رغباته فيما بعد. كما إن تسامح الأبوين مع أخطاء أبنائهم وعدم زجرهم بحجة أنهم ما زالوا صغارا يؤدي حتما إلى تكرار السلوك فيولد ذلك شعوراً لدى المراهق والمراهقة بالحرية المطلقة في السلوك فيندفعون نحو تصرفات بلا ضوابط ومن ثم تحدث الانحرافات بكل أنواعها..

وليعلم الأبوان أننا عندما نمنع طفلنا من بعض الحاجيات أو وإجباره أحياناً على فعل بعض الأمور فإن ذلك يصب في مصلحة الطفل، وليس معناه القسوة عليه بل معناه إعداده للمستقبل بحيث يكون قادراً على العمل ومجابهة مصاعب الحياة، فليس كل شيء ميسراً ومتاحاً، وربما تكون الأيام القادمة أقسى من الحاضرة..

إن الأسلوب السليم تجاه تربية أطفالنا يدور حول المنح والمنع، والشدة واللين. وعلى الأسرة أن تختار متى تمنح ومتى تمنع. ويؤكد ذلك قول أحد المفكرين التربويين : ((لا شيء يربي الأطفال مثل النظام)) وهذا يعني أن على الوالدين أن يعملا نظاماً محدداً وواضحاً لأولادهم يشمل تحديد أوقات الصلاة والطعام والنوم والمذاكرة واللعب والمشاهدة… بحيث يتم إلزامهم بالسير حسب ذلك النظام في مواعيده المحددة بقدر الاستطاعة، ومكافأتهم في حال الالتزام به، ولا بد كذلك من المرونة في ذلك، ولكن مع الحزم فعلى سبيل المثال عندما يرفض الطفل الذهاب إلى فراشه عند حلول وقت النوم يمكن في هذه الحالة تخيير الطفل بين أمرين لا ثالث لهما إما النوم أو المذاكرة ، ومثل هذا الأسلوب يسميه بعض علماء التربية بأسلوب (الخيارات المقيدة) .

وهنا نشير إلى إن التزام الأطفال بنظام معين يحتاج إلى عدة عوامل مساعدة حتى يتحقق في حياة الأسرة، ولعل من أبرز تلك العوامل الآتي :

كما إن التعامل بتوسط واعتدال مع الأبناء بعيداً على الإفراط والتفريط من أهم عوامل النجاح التربوي ، حيث إن الاعتدال في تربية الطفل وعدم المبالغة في التدليل أو الحزم أو التذبذب بين الإفراط والتفريط هي الضمان الأمثل لبناء شخصية الطفل إيجابياً سليماً .


تعليق واحد


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *